أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

83

العقد الفريد

البعير المخشوش « 1 » حتى تبايع وأنت كاره ؛ ولم تكن لأحد منهم أشدّ حسدا منك لابن عمك عثمان ، وكان أحقهم أن لا تفعل ذلك به ، في قرابته ؛ وصهره فقطعت رحمه وقبّحت محاسنه ، وألّبت عليه الناس ، حتى ضربت إليه آباط « 2 » الإبل ، وشهر عليه السلام في حرم الرسول ، فقتيل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة « 3 » ؛ لا تؤدّي عن نفسك في أمره بقول ، ولا فعل برّ ، وأقسم قسما صادقا : لو قمت في أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه ، ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ، ولمحا ذلك عنك ما كانوا يعرفونك به ، من المجانبة لعثمان والبغي عليه ؛ وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفان ظنين : إيواؤك قتلة عثمان ، فهم بطانتك وعضدك وأنصارك ؛ وقد بلغني أنك تنتفي من دمه ، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به ، ثم نحن أسرع الناس إليك ، وإلا فليس لك ولا لأصحابك عندنا إلا السيف ، والذي نفس معاوية بيده ، لأطلبنّ قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر ، حتى تقتلهم أو تلحق أرواحنا باللّه ! . فأجابه علي : أما بعد ، فإن أخا خولان قدم عليّ بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وما أنعم اللّه به عليه من الهدى والوحي ؛ فالحمد للّه الذي صدقه الوعد وتمم له النصر ، ومكنه في البلاد ، وأظهره على الأعادي من قومه الذين أظهروا له التكذيب ، ونابذوه بالعداوة ، وظاهروا على إخراجه وإخراج أصحابه ، وألّبوا عليه العرب ، وحزّبوا الأحزاب ، حتى جاء الحق وظهر أمر اللّه وهم كارهون . وذكرت أن اللّه اختار [ له ] من المسلمين أعوانا أيده بهم ، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم في الإسلام ، وأنصحهم للّه ولرسوله ، الخليفة ، وخليفة الخليفة من بعده .

--> ( 1 ) البعير المخشوش : الذي جعل في أنفه خشاشا ، وهو ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب . ( 2 ) آباط : جمع إبط : وهو باطن المنكب والجناح . ( 3 ) الهائعة : الصوت الشديد تفزع منه .